رواية أقدار حين خسر الحب أمام القسوة
انطفأ ضوء المصباح للحظة، ثم عاد،
ولم ينتبه أحد… كأنهم اعتادوا الانكسارات.
قالت فرح بصوتٍ مخنوق وهي تستمع:
«يا إلهي… هل عاش أبي وأمي كل هذا العذاب؟ لا أكاد أصدّق…»
تنفّس العم إبراهيم بعمق، وكأن الذكريات أثقل من أن تُروى، ثم تابع:
الخوف والحزن، حين اجتمعا في جسد زينة، لم يمهلاها كثيراً.
جاءها المخاض مبكراً، في شهرها السابع، كأن الجسد قرر أن يسبق النهاية المحتملة بخطوة أخيرة للحياة.
لم يكن أمام والدكما إلا أن يحملها إلى المستشفى، وهي بين الوعي والغيبوبة، تتشبّث بيده وكأنها آخر ما تبقّى لها من العالم.
دخلت زينة غرفة العمليات سريعاً، وولدت بنتين جميلتين، صغيرتين كالأمل الذي وُلِد معهما، هشّتين كالمصير الذي ينتظرهما.
وفي اللحظة التي كان ينبغي أن تكون ولادة وفرحاً، دخل الرعب من الباب الآخر.
جاء جابر، صديق والدكما، مسرعاً، وجهه شاحب وصوته مرتجف، وأخبر صافي أن العائلتين في الطريق.
عرفوا مكانهما.
وجاءوا لا ليعاتبوا… بل لينتقِموا.
لينهوا الفضيحة، ويتخلّصوا من الطفل.
لم يمرّ صافي في حياته بموقف كهذا.
تجمّد في مكانه، وهو يرى بناته للمرة الأولى، ويخشى أن تكون هذه الرؤية الأخيرة.
فكرة أن تُصاب زينة أو تُقتل، أو أن تمتد الأيدي إلى الطفلتين، شلّت عقله تماماً.
التفت إليّ، يطلب النصيحة، بعينين لم أعرفهما من قبل، عينين لرجلٍ فقد كل يقينه.
اقترحت عليه أن يذهبا إلى بيتي، أن نختبئ، أن نكسب بعض الوقت.
لكن صافي هزّ رأسه ببطء، وقال بصوتٍ مكسور:
- لم يعد للهروب معنى… وحالة زينة لا تحتمل طريقاً آخر.
وهنا… بدأت أصعب القرارات.
قال العم إبراهيم بصوت خافت:
— هذا الجزء… لم أكن أتمنى أن تعرفاه أبداً.
رواية أقدار اللحظة التي صمت فيها الحب
وقف العم إبراهيم لحظة، وكأن الكلمات ثقلت في حلقه، ثم قال بصوت خافت:
— كانت حالة زينة لا تسمح، وهو كان عاجزاً… عاجزاً عن حمايتها، عاجز عن إعالة صغيرتيه، عاجز حتى عن التفكير.
ساد صمت ثقيل، قبل أن يضيف:
— عندها… لم أجد أمامي إلا اقتراحاً واحداً… قاسياً، لكنه ربما الوحيد القادر على إنقاذهما.
ارتجف صوت فرح:
— ماذا قلت له…؟
خفض العم إبراهيم عينيه وقال:
— أن نُبقي الطفلتين عند عائلتين مختلفتين… حتى إن وصلت الأيدي إلى إحداهما، تنجو الأخرى.
كأن الجملة سقطت على المكان لا تُسمع بل تُحسّ.
اقتربت زوجة إبراهيم من سرير زينة، التي كانت قد بدأت تستعيد وعيها بصعوبة بعد أن سمعت الحديث الذي دار بيني وبين صافي. فتحت عينيها ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد، ثم بحثت بنظرها عن صافي.
وحين التقت عيناهما… لم تقل شيئاً في البداية.
لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية.
خذلان… ووجع… وسؤال لم يُطرح.
قال صافي بصوت مكسور، وهو يشيح بوجهه:
— أنا آسف يا زينة… أقسم لكِ لن يدوم هذا الوضع.
ابتسمت ابتسامة واهنة، أقرب إلى الألم منها إلى السخرية:
— قلتَ ذلك من قبل…
توقفت أنفاسها لحظة، ثم همست:
— انظر إلى أين وصلنا.
شدّ على يديه محاولًا التماسك:
— ليس هذا وقت العتاب… علينا أن نحميهما.
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع:
— حتى… حتى بناتي لا أستطيع الاحتفاظ بهن؟
ثم فتحت عينيها بصعوبة، وحدّقت فيه:
— أيّ رجلٍ أنت يا صافي؟
ارتجف، لكنه تماسك:
— رجل يحاول ألا يموت كل شيء بين يديه.
قالت بصوت مكسور:
— ماذا ستفعل بهما؟ هل… ستضعهما في ميتم؟
— لا… سنجد عائلتين طيبتين… مؤقتاً فقط… حتى ننجو.
اتسعت عيناها بذهول:
— وستفرّق بينهما أيضاً…؟
ثم أغمضت عينيها وكأنها تنهار من الداخل:
— يا إلهي… ماذا فعلنا بأنفسنا…
اقترب منها، وقال بسرعة:
— سنقنع الطبيب أن يقول إنكِ أنجبتِ طفلة ميتة… هكذا نحميهما.
همست، بالكاد:
— ومن هؤلاء الذين سيأخذون بناتي؟
— أعرفهم… أثق بهم… و سنعود إليهما… أعدك.
لكنها لم تعد قادرة على الرد.
انسحب صوتها… كما انسحب وعيها.
وأغمضت عينيها من جديد.
![]() |
| طلاق صافي وزينة/ رواية اقدار |
رواية أقدار قلبان أمام حكمٍ لا يُردّ
تنهد العم إبراهيم، ثم تابع بصوت أثقل:
— خرجنا من الغرفة… وكان صافي كمن يسير بلا روح. طلب مني أن أتصل فوراً بالعائلتين.
نظرت نرجس إليه بارتجاف:
— من…؟
— أشرف… ونبيل.
ساد صمت طويل، كأن الأسماء سقطت لتوّها في قلوبهم.
— كنت أعلم أنهما بلا أطفال… وأخبرتهما أن الأمر قد يكون مؤقتاً… حتى تهدأ العاصفة.
وافَقَا… دون تردد.
ثم رفع العم إبراهيم رأسه قليلًا، وكأن المشهد يعود أمام عينيه:
— لكن… قبل أن يبرد الخوف… وصلت العائلتان.
تجمدت الأنفاس.
— دخل زياد وابنه صادق أولًا…
قالها ببطء، ثم أردف:
— حاول صادق قتل صافي أمامي… لولا أن رجال الأمن تدخّلوا.
شهقت جمانة.
— رفع المسدس إلى رأسه… وقال له: “طلّقها… أو أقتلك الآن”.
وأغمض عينيه للحظة:
— فطلّقها… هناك… دون أن ينظر إليها.
كانت زينة تُسحب من سريرها… رغم ضعفها… رغم دموعها… رغم كل شيء.
سألوها عن الطفل.
فقالت…وصوتها ينكسر:
— ماتت…
ثم التقت العائلتان.
نارٌ تقف أمام نار.
قال زياد بجمود:
— ابنك لوّث اسمي… ولن أسامحه.
ردّ ملحم ببرود قاسٍ:
— وأنا لن أسامحه لأنه ربط دمي بدمكم.
ثم قال زياد:
— أحمد الله أن الطفلة ماتت.
رد الآخر:
— وأنا كذلك.
هنا… لم تتمالك فرح نفسها.
انفجرت بالبكاء.
وسقطت الكلمات من بين شفتيها:
— كيف… كيف يفرحون بموتنا…؟
أما نرجس… فكانت صامتة.
لكن دموعها كانت تنزل بصمتٍ أشد قسوة من الصراخ.
![]() |
| زينة تفارق بناتها/ رواية اقدار |
اقرأ ايضا: قصة حين يزهر الصمت قصة قصيرة
بكت فرح ونرجس… لا بكاءً عابراً، بل ذلك البكاء الذي يأتي متأخراً، محمّلًا بكل ما لم يُفهم في حينه.
لم تكن الصدمة في الفراق وحده… بل في تلك القسوة الباردة التي جعلت رجلين يفرحان بموت طفلة… لم تعرف الحياة بعد.
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت نبيل، وهو يتحدث ببطء، كمن يعترف بحقيقة عاشها طويلًا:
— مرّت الأيام… ثم الأسابيع… ولم يأتِ أحد.
كنّا ننتظر… نسأل… نترقّب أي خبر.
وكلما قصدنا إبراهيم، كان يهزّ رأسه بالنفي… لا يعلم شيئاً.
حتى اضطررتُ… أن أكتب في الأوراق الرسمية أنكِ ابنتي يا نرجس.
رفع أشرف نظره، وأضاف بصوت منخفض:
— وهذا ما حدث معي أيضاً يا فرح… لم يكن قراراً سهلاً… لكنه كان الخيار الوحيد لنحميك من الضياع.
رفعت فرح رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بأسئلة موجعة:
— ألم تعرف ماذا حدث لهما يا عم إبراهيم؟
تنهد العم إبراهيم، وكأن الجواب أثقل من أن يُقال:
— الحياة… لا تنتظر أحداً يا ابنتي.
عادت العائلتان إلى أعمالهما… كأن شيئا لم يحدث.
أما زينة… فقد أُرسلت قسراً إلى إسطنبول، إلى بيت إحدى عمّاتها…
ومُنعَت من العودة إلى لبنان… كأنها خُطِفَت من حياتها… لا أكثر.
ومنذ ذلك الحين… لم يصلني عنها خبر.
تقدمت نرجس خطوة، وكأنها تخشى الجواب التالي:
— وأبي…؟
أطرق العم إبراهيم لحظة، ثم قال:
— في البداية تبرّأ منه والده… وحرمه من كل شيء.
أُغلقت في وجهه الأبواب… حتى بيته لم يعد بيته.
عاش حبيس القصر… لا يخرج، ولا يتكلم… حتى سقط في صمتٍ يشبه الانكسار.
ثم… أُرسل إلى أمريكا ليكمل دراسته بعد أن أشفق والده على حاله…
ومنذ تلك اللحظة… انقطعت كل الخيوط.
لم يعد… ولم يُسمع له أثر.
ارتجفت شفتا فرح، وقالت بصوت مكسور:
— كيف… كيف استطاعا أن لا يسألا عنا؟
أين وعوده؟ أين قوله لأمي إنه سيحميها… وأننا سنجتمع يوماً؟
أين كل ذلك…؟
لم يجبها أحد.
أما نرجس، فكانت تنظر إلى الفراغ، وكأنها ترى شيئاً لا يُرى:
— أنا… لا أستوعب.
أيعقل أن يعجز… أن يستسلم؟
ألم يكن في وسعه أن يفعل شيئاً… أي شيء… ليجمعنا؟
ساد الصمت من جديد.
صمتٌ لم يكن فراغاً… بل امتلاءً بالأسئلة.
رفع العم إبراهيم رأسه أخيراً، وقال بهدوء أقرب إلى الاعتراف:
— آخر مرة رأيتُ فيها صافي… كانت بعد تلك الحادثة بقليل.
جاء إلى هنا… لم يكن يشبه نفسه.
جمع بعض أغراضه… وكان صامتاً على غير عادته.
ثم وضع هذا الصندوق بين يدي… وقال:
“احتفظ به… سأعود يوماً لأخذه.”
توقف لحظة، ثم أضاف:
— لكنه… لم يعد.
في تلك اللحظة… لم يكن الألم في الفقد وحده، بل في ذلك الفراغ الذي تركه الغياب…
فراغٌ لا يملؤه تفسير… ولا تواسيه إجابة.
وكان السؤال معلقاً في أعينهما معاً:
هل انتهت القصة هناك…؟ أم أنها… لم تبدأ بعد؟
رفع نظره إليهما:
— حتى جئتما أنتما… لتفتحاها من جديد.
سكت العم إبراهيم فجأة، ورفع يده إلى صدره كمن يبحث عن أنفاسه.
ارتشف رشفة ماء، لكن يده كانت ترتجف.
لم يكن الصمت أقل قسوة من الكلام.
كانت ساعة الحائط تطرق بثقل، وكأنها تعدّ الذنوب لا الثواني.
اقرأ ايضا: قصة رسائل ورد وقلب سليم قصة قصيرة
![]() |
| صندوق الذكريات/ رواية اقدار |
رواية أقدار رسائل نجت من الفقد
فتح الصندوق.
كانت فرح تحدّق في الصندوق، لكن يدها امتدّت دون وعي، تبحث عن يد نرجس.
التقت الأصابع بخجل، ثم تشابكت.
لم تقل أيٌّ منهما شيئاً.
في تلك اللحظة، لم يكن يهم من خان، ومن أخفى، ومن قرر الفراق.
كان هناك فقط يقين غريب، دافئ.. نحن لم نُخلق صدفة.
حتى العم إبراهيم لاحظ ذلك.
توقّف عن الكلام، ومسح نظارته ببطء، كأنه يمنح هذا الصمت حقّه الكامل.
قال أخيراً، بصوت أخفّ من الهمس:
— قبل أن أفتح الصندوق… أردتُ فقط أن تعرفا… أن بعض الروابط لا تحتاج إلى أسماء كي تعيش.
وبدا وكأن الماضي نفسه قد تنفس.
مدّ العم إبراهيم يده ببطء نحو الصندوق الخشبي، وكأنه لا يفتحه… بل يوقظ ما بداخله.
قال بصوت خافت:
— هذا… ما تبقّى منهما.
انحنى الغطاء بصريرٍ خفيف، كأن الزمن نفسه اعترض لحظة، ثم استسلم.
في الداخل… لم تكن أشياء. كانت حياة.
أول ما ظهر… رسائل.
مربوطة بشريط قماشي قديم، اصفرّ من الزمن، لكنه ما زال محتفظاً بعقدته المحكمة… كأن أحدهما خاف أن تتفكك الكلمات إن فُكّ الرباط.
مدّت نرجس يدها بتردد، وفكّت الشريط ببطء.
انزلقت أول رسالة بين أصابعها.
فتحتها.
ارتعشت عيناها وهي تقرأ:
“زينة…
لا أخاف من العالم، ولا من أبي، ولا من كل ما يقف بيننا…
أخاف فقط من يومٍ أضطر فيه أن أعيش دونكِ.”
توقفت.
رفعت نظرها ببطء نحو فرح.
لم يكن في عينيها دموع بعد… بل شيء أعمق… دهشة مؤلمة.
سحبت فرح رسالة أخرى.
خطّ مختلف… أكثر نعومة.
قرأت بصوت خافت:
“صافي…
حين أعود إلى البيت، وأجلس بين أهلي، أشعر أنني أؤدي دوراً لا يشبهني…
وحدك… تجعلني أنا.”
اهتز صوتها عند الكلمة الأخيرة.
وأطبقت الرسالة على صدرها… دون وعي.
![]() |
| نهاية حب صافي وزينة |
رواية أقدار - ما تبقّى من حبٍ لم يمت
كانت الرسائل كثيرة.
كل واحدة… تشبه اعترافاً متأخراً.
في بعضها، ضحك خفيف بين سطور:
“أقسم أنني سأفشل في الامتحان إن جلستَ بقربي مرة أخرى…”
وفي أخرى… خوف واضح:
“أشعر أن العيون حولنا بدأت تلاحظ… أخاف عليك أكثر مما أخاف على نفسي.”
وفي آخرها…
سقطت الكلمات كأنها كُتبت تحت ضغط الألم:
“إن لم نستطع أن نكون معاً…
فليشهد الله أنني حاولت… حتى آخر ما أملك.”
لم تكن الرسائل وحدها.
كانت هناك صور.
التقطها الزمن دون إذن من العائلتين.
في إحداها… يقفان أمام البحر، يضحكان بلا حذر، كأن العالم كله لا يراقبهما.
وفي أخرى… داخل المكتبة،
زينة تمسك كتاباً،
وصافي ينظر إليها… لا إلى الكتاب.
توقفت فرح عند هذه الصورة طويلًا.
همست:
— كان ينظر إليها… وكأنها كل ما يملك.
ردّت نرجس، بصوت بالكاد يُسمع:
— ربما… كانت كذلك فعلاً.
في زاوية الصندوق…
كانت هناك قلادتان. متشابهتان. فتحتاها معاً.
في داخل كل واحدة… صورة صغيرة. إحداهما تحمل وجه صافي.
والأخرى… وجه زينة.
نظرتا إلى بعضهما.ثم… تبادلتا القلادتين.
دون أن تتكلما.
أما الخاتمين…فكانا بسيطين. لكن محفور على كل منهما اسم الآخر.
مرّت أصابع فرح فوق الحروف ببطء، كأنها تتحسس أثر يد لم تعرفها يوماً.
وقالت:
— لم يكن حباً عابراً…
أجابت نرجس، وعيناها ممتلئتان:
— كان… حياة كاملة.
لم تعد الدموع مجرد حزن.
كانت اعترافاً متأخراً.
اعترافًا بأنهما لم تكونا ضحيتين فقط…
بل امتداداً لقصة حبٍ… لم تُهزم… لكنها لم تنجُ أيضاً.
قالت فرح بصوت مكسور:
— لم يتركونا… أليس كذلك؟
نظرت نرجس إلى الرسائل، ثم إلى الصور، ثم إلى الخواتم…
وقالت بهدوء يشبه الحقيقة:
— لا…
هم فقط… لم يجدوا طريقة ليبقوا معنا.
أغلقتا الصندوق ببطء. لكن هذه المرة…لم يعد صندوقاً.
بل قلباً… أُعيد فتحه بعد سنوات طويلة.
احتضنتا ما تبقى منهما…
ورثاً من ألم…ووعداً غير مكتمل…وحباً… نجا… بطريقةٍ ما.
![]() |
| فرح ونرجس |
لم تقل فرح شيئاً.
كانت تحدّق في الفراغ كما لو أن الغرفة انسحبت منها فجأة، وبقيت هي وحدها مع صوتٍ لا تسمعه إلا من الداخل.
فكرة أن والديها لم يكونا ضحيتين فقط، بل عاشقين اختارا بعضهما ضد العالم، أربكت كل صورة محفوظة في ذاكرتها.
أما نرجس، فشعرت بشيء يشبه الانقسام.
نصفها أراد أن يبتسم، أن يصدق أن الحب يمكن أن يكون بهذه الجرأة، والنصف الآخر كان غاضباً… غاضباً لأن هذا الحب نفسه هو ما سرق منها ومن أختها حياة كاملة من الوضوح.
قالت بصوتٍ مبحوح، وكأنها لا تخاطب أحداً بعينه:
- إذن… لم نكن نتيجة خطأ، بل نتيجة قرار.
ارتجفت يد فرح على طرف الكرسي.
قرار.
كلمة صغيرة، لكنها بدت لها أثقل من سنوات الفقد كلها.
كانت تتوقع مأساة، قهراً، قسراً… لا قصة حب تشبه الروايات القديمة، تُتَّخذ فيها أخطر الخطوات باسم العاطفة.
تقدّمت أمّها خطوة إلى الأمام، ثم توقّفت، كأنها خافت أن تلمس هذه الحقيقة فتتفتّت.
أما أشرف ونبيل، فقد تبادلا نظرة صامتة؛ تلك النظرة التي يعرفها الرجال حين يدركون أن ما حسبوه حماية كان في الحقيقة جداراً أخفى أكثر مما ستر.
قالت فرح فجأة، بنبرة غريبة لا تشبهها:
- كنتُ أظن أن الهروب شيء جبان… الآن لا أعرف إن كان شجاعة أم تهوّراً أم حباً أعمى.
لم يجبها أحد.
حتى العم إبراهيم بدا وكأنه يسمع الجملة للمرة الأولى.
نرجس أغمضت عينيها.
داخلها، كانت طفلة قديمة تسأل، لو لم يهربا… هل كنا سنكون هنا أصلًا؟
ثم جاءت فكرة أخرى، أكثر قسوة: ولو بقيا… هل كنا سنعيش حياة أقل تشظّياً؟
ذلك المساء، لم تخرج فرح ونرجس من بيت العم إبراهيم وهما تعرفان الحقيقة فقط،
بل خرجتا وهما تشكّكان بكل تعريفٍ سابق للحب، والخطأ، وللأقدار.
يتبع….





